محمد بن سلام الجمحي

370

طبقات فحول الشعراء

لهما - أعنى الفرزدق وجريرا - بعض الخلفاء : حتّى متى لا تنزعان ؟ " 1 " فقال جرير : يا أمير المؤمنين ، إنّه واللّه يظلمني ! قال : صدق ! أنا أظلمه ، ووجدت أبى يظلم أباه . 502 - " 2 " قال : وحدّثنى أبو الغرّاف قال : دخل الفرزدق على بلال فقال له : أحججت يا أبا فراس ؟ قال : نعم . قال : فما رأيت ؟ قال رأيت شيخا يطوف بالبيت آخذة امرأته بحجزته ، خلفها ولدان لها وهو يقول : " 3 " أنت وهبت زائدا ومزيدا * وكهلة أولج فيها الأجردا " 4 "

--> - وتهديه إلى حياة أخرى غير حياة اللهو والصبا وجنون الشباب ، فتنقشع الغشاوة عندئذ عن عينيه ، وينهتك ظلام الغفلة التي كانت مطبقة عليه ، يرى فيها لذاذاته ، ولا يستمتع إلا بأحلام غفلته . ثم شبهت هذا كله بالفجر إذا أقبل فأسفر على القوم النيام ، فانبعثت الأصوات في نواحي الحي : كلب ينبح ، وشاة تثغو ، وبعير يرغو ، وديك يؤذن ، وقائم يكبر ، وداع يصيح ، ومناد ينادى ، وأقدام تدب ، ومسرعة تعد الطعام تدق ، وأصوات الحياة في ظلمة الليل وهدأته تنذر النوام أن النهار قد أقبل بفورته ، يطرد الظلام المطبق ، فجد الجد وطارت الأحلام . فلم يرد بالشيب والشباب ، ولا بالليل والنهار ، لونهما من بياض وسواد ، وإنما أراد الحلم والجهل ، والهدى والضلال ، واليقظة والغفلة . وقوله : " والشيب ينهض في الشباب " ، يسرع فيه كأنه يتحرك ويدب ، تدب التجربة والعقل والفهم واليقظة ، لتنفى عن النفس جهلها وصباها وطيشها وغفلتها . وقوله " كأنه " ، أراد تشبيه حالة مجتمعة ، بحال أخرى مجتمعة ، لا تشبيه لون بلون ، فإنه إسقاط للشعر . ورحم اللّه من قال بذلك من علماء البلاغة . ( 1 ) نزع عن الأمر ينزع : كف وانتهى عنه . ( 2 ) روى هذا الخبر أبو الفرج في الأغانى 19 : 32 من غير طريق ابن سلام ، وبأوضح مما جاء هنا . وبلال : هو ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري . وذلك أن الفرزدق دخل على بلال وعنده قوم من اليمامة فضحكوا ، فقال له بلال : يا أبا فراس ، أتدرى مم ضحكوا ؟ قال : لا . قال : من جفائك ! فذكر الفرزدق عندئذ هذه القصة ، إنّي قوله : " أشعري " ، فقال الفرزدق لبلال الأشعري : " أفأنا أجفى أم ذلك ؟ " . ( 3 ) الحجزة : موضع شد الإزار ومعقد السروايل . ( 4 ) زائد ومزيد : اسم ولديه . والكهلة : يعنى امرأته . وقد أراد ما لا يحسن أن يسمى !